الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

252

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ذِكْرِ الرَّحْمنِ هو القرآن المعبر عنه بالذكر في قوله : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً [ الزخرف : 5 ] . وإضافته إلى الرَّحْمنِ إضافة تشريف وهذا ثناء خامس على القرآن . والتقييض : الإتاحة وتهيئة شيء لملازمة شيء لعمل حتى يتمه ، وهو مشتق من اسم جامد وهو قيض البيضة ، أي القشر المحيط بما في داخل البيضة من المحّ لأن القيض يلازم البيضة فلا يفارقها حتى يخرج منها الفرخ فيتم ما أتيح له القيض . فصيغة التفعيل للجعل مثل طيّن الجدار : ومثل أزره ، أي ألبسه الإزار ، ودرّعوا الجارية ، أي ألبسوها الدرع . وأصله هنا تشبيه أي نجعله كالقيض له ، ثم شاع حتى صار معنى مستقلا ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ في سورة فصّلت [ 25 ] فضمّ إليه ما هنا . وأتى الضمير في لَهُ مفردا لأن لكل واحد ممن تحقق فيهم الشرط شيطانا وليس لجميعهم شيطان واحد ولذلك سيجيء في قوله : قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ [ الزخرف : 38 ] بالإفراد ، أي قال كل من له قرين لقرينه . ولم يذكر متعلق فعل نُقَيِّضْ اكتفاء بدلالة مفعوله وهو شَيْطاناً فعلم منه أنه مقيض لإضلاله ، أي هم أعرضوا عن القرآن لوسوسة الشيطان لهم . وفرع عن نُقَيِّضْ قوله : فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ لأن التقيض كان لأجل مقارنته . ومن الفوائد التي جرت في تفسير هذه الآية ما ذكره صاحب « نيل الابتهاج بتطريز الديباج » في ترجمة الحفيد محمد بن أحمد بن محمد الشهير بابن مرزوق قال : قال صاحب الترجمة : حضرت مجلس شيخنا ابن عرفة أول مجلس حضرته فقرأ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ فقال : قرئ يعشو بالرفع و نُقَيِّضْ بالجزم « 1 » . ووجهها أبو حيان بكلام ما فهمته . وذكر أن في النسخة خللا وذكر بعض ذلك الكلام . فاهتديت إلى تمامه وقلت : يا سيدي معنى ما ذكر أن جزم نُقَيِّضْ ب مَنْ الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمّنها من معنى الشرط وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظه لفظ الشرط أولى بتلك المعاملة . فوافق وفرح لما أن الإنصاف كان طبعه . وعند ذلك أنكر عليّ جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط فقلت : نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو : الذي يأتيني فله درهم ،

--> ( 1 ) هذه القراءة تنسب إلى زيد بن علي إمام الزيدية .